محمد بن جرير الطبري

172

جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )

وأصل " الجبار " ، المصلح أمر نفسه وأمر غيره ، ثم استعمل في كل من اجترَّ نفعا إلى نفسه بحق أو باطل طلبَ الإصلاح لها ، حتى قيل للمتعدِّي إلى ما ليس له = بغيًا على الناس ، وقهرًا لهم ، وعتوًّا على ربه = " جبار " ، وإنما هو " فعّال " من قولهم : " جبر فلان هذا الكسر " ، إذا أصلحه ولأمه ، ومنه قول الراجز : ( 1 ) قَدْ جَبَرَ الدِّينَ الإلهُ فَجَبَرْ . . . وَعَوَّرَ الرَّحمنُ مَنْ وَلَّي العَوَرْ ( 2 ) يريد : قد أصلح الدين الإله فصلح . ومن أسماء الله تعالى ذكره " الجبار " ، لأنه المصلحُ أمرَ عباده ، القاهرُ لهم بقدرته . * * * ومما ذكرته من عظم خلقهم ما : - 11656 - حدثني به موسى بن هارون قال ، حدثنا عمرو بن حماد قال ، حدثنا أسباط ، عن السدي في قصة ذكرها من أمر مُوسى وبني إسرائيل ، قال ، ثم أمرهم بالسير إلى أريحا = وهي أرض بيت المقدس = فساروا ، حتى إذا كانوا قريبًا منهم ، بعث موسى اثنى عشر نقيبًا من جميع أسباط بني إسرائيل ، فساروا يريدون أن يأتوه بخبر الجبَّارين ، فلقيهم رجل من الجبارين ، يقال له : " عاج " ، ( 3 ) فأخذ الاثني عشر فجعلهم في حُجْزَته ، وعلى رأسه حَمْلة حطب ، ( 4 ) وانطلق بهم

--> ( 1 ) هو العجاج . ( 2 ) ديوانه : 15 ، واللسان ( جبر ) ( عور ) ، وهو أول أرجوزته التي مدح بها عمر بن عبيد الله بن معمر التيمي ، وقد مضت منها أبيات ، وذكرنا خبرها فيما سلف ، انظر 1 : 190 / 2 : 157 / 3 : 229 / 4 : 321 . وقوله : " قد جبر الدين الإله " ، من قولهم : " جبرت العظم " متعديًا ، " فجبر " ، لازمًا ، أي : انجبر العظم نفسه . و " العور " في هذا الشعر هو قبح الأمر وفساده ، وترك الحق فيه ، وليس من عور العين . و " عور الشيء " قبحه . يدعو فيقول : قبح الله من اتبع الفساد واستقبله بوجهه . من قولهم " ولي الشيء وتولاه " ، أي اتبعه وفي التنزيل : " ولكل وجهة هو موليها " ، أي مستقبلها ومتبعها ، فهذا تفسير البيت بلا خلط في تفسيره . ( 3 ) في المطبوعة : " عوج " ، وأثبت ما في المخطوطة ، وهو موافق لما سلف رقم : 11572 ، وتاريخ الطبري . ( 4 ) انظر ما سلف ص 112 تعليق : 1 ، 2 ، وما غيره ، مصحح المطبوعة السالفة هناك .